لمة موجزة عن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.
بقلم أبي عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
قال تعالى: [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] [المائدة 44].
وقال تعالى: [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [المائدة 45].
وقال تعالى: [وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ] [المائدة 47].
إنّ سلوك طريق السّلف الصالح لقيام دولة الإسلام يحتاج إلى اعتدال النفس وصفاءِ الذهن وقوة العلم والإرادة، والعدّة المادية والروحية، إذ بهذه الكليات يتحقق حُسن النظر، وصِدق الاتباع، والثمرة المرجوة، وصَدَقَ العلامة ابن قيم الجوزية حين قال في بدائع الفوائد (3/136): (…ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج)، والمراقب لتصرفات المغرر بهم، وفتاوى رؤوسهم من أهل الشبهات؛ يجد أنهم انطلقوا في تحرير مسألة "الحكم بغير ما أنزل الله" من بعض أقوال أهل العلم الفضلاء الذين أطلقوا القول بكفر الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله دون تفصيل، أومن الواقع المرير والمؤلم الذي تمر به الأمة الإسلامية، أومن الحالةِ الاجتماعية المزرية التي تتخبط فيها طائفة من أبناء الأمة، فكل هذه الأمور ولّدت فيهم مزاجا معقدا أخرجهم عن حدّ الاعتدال، وشوّش أذهانهم، وملأ قلوبهم غضبا وحقدا على الحكومات الإسلامية القائمة، ودفعهم إلى تأويل النصوص الصحيحة خدمة للشبه التي انقدحت في عقولهم أو ألصقت بها؛ حالة مشوَّشة جدا، ومملوءة باليأس والكآبة، زادها تلبيس إبليس على القوم بعدا عن الصراط المستقيم، والحقّ المنشود.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في إعلام الموقعين (2/156): (الغضب غول يغتال العقل كما تغتاله الخمرة).
إنّ علاجَ كبري القضايا، وإصلاحَ ما أفسد الناس عبر الأزمان يكون بلباس العلم والصّبر، وغطاء الحلم، ودثار الاستغفار والتوكل على الله، بعيدا عن الشّغب الذي يثير الخصومة، ويحرم الإصابة، ويؤزِّم القضية ويعفِّنها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال في مجموع الفتاوى (18/295): (وكثير من النّاس إذا رأى المنكر، أو تغيّر كثيرٌ من أحوال الإسلام؛ جزع، وكلّ، وناح كما ينوح أهلُ المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصّبر، والتوكّل، والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إنّ وعد الله حقّ، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشيّ والإبكار)اهـ.
قلت: رحم الله شيخ الإسلام، وكأنه يصف حالَ بعض المفكرين الإسلاميين في هذا العصر، الذين لا يجيدون إلا البكاء على جراح الأمة وأطلالها، ويتخذون من مهنة النياحة سبيلا لكسب قلوب العامة، واحتلال أبرز المواقع على القنوات الفضائية!.
إنّ الإنصاف والعدل في دراسة المسائل وتحريرها زينة المسلم، وهو دليل التقوى، والبعد عن الهوى، وغذاء النصرة على الطواغيت قال تعالى: [إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ].
قال العلاّمة ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم (1/530 تحقيق أبي الأشبال): (من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم).
ومن الإنصاف الذي أمر الله به العودةُ إلى نُصوص الكتاب والسنّة، وفهمهما على فهم السّلف عند الاختلاف، ومن الإنصاف النظر في أقوال المخالفين من أهل العلم بعين الإنصاف، ومن الإنصاف الرجوع إلى العلماء المجتهدين أولي الأيدي والأبصار وأهل القياس وتحقيق المناط لإسقاط الأحكام الشرعية على الأفراد والمجتمعات، ومن الإنصاف تجنب العصبية المقيتة للرجال والطوائف. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله واصفا حالة الطوائف السيئة والـمَرَضِيَّة في اقتضاء الصراط المستقيم (1/79 تحقيق ناصر العقل): (وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا، ولا يعدهم إلا جهالا وضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئا، بل يرى المتمسك بها منقطعا عن الله، وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا، وإنّما الصواب: أن ما جاء به الكتاب والسنّة من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنّة من هذا وهذا: باطل).
إنّ الذي عليه الشباب المتعصبون للنحل المبتدعة -التي ابتلوا بالوقوع في عرينها، ونصرة كلّ ما يخرج من حياضها- منكرٌ وخطير، أوقع بينهم البغضاء والشقاء، ومهد الطريق لأعداء الملة للتسلط عليهم وعلى عقولهم، ولاحتلال ديارهم كما هو الحال في العراق الجريح.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (3/421): (وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة، لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا التفريق الذي حصل من الأمة: علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها؛ هو الذي أو جب تسلُّط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: [وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء].
فمتى ترك النّاسُ بعضَ ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرَّقَ القومُ فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب)اهـ.
أقول للمغرر بهم هداهم اللهُ إلى لزوم جماعة المسلمين: وهل اسم (القاعدة) الذي تتبجحون به على أوجه القنوات الفضائية دلّ عليه الكتاب والسنة حتى تتبنونه منهجا مثاليا، وتقيمون على كواهله المشبوهة والمنهارة جهادا عظيما يعيد للمغرب العربي هيبته وهيمنته ومكانته؟.
وهل يجوز لكم تفريق الأمة وبثّ العداوة في صفوفها انطلاقا من الألقاب المحدثة والمناهج المبتدعة؟.
اللهم يا ربنا بصرنا بالحق، ولا تجعلنا فتنة للذين آمنوا، إنّك غفور رحيم.
مهدت بهذا هذه المقدمة الموجزة لأنني خبيرٌ بالحالة النفسية التي يعيشها القوم وهم يعالجون مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ومدركٌ لبعدهم عن منهج أهل الحديث في تحرير هذه المسائل، التي نجم عن سوء فهمها فتن وقلاقل، وتشقق بين الرعية وولاة أمرها، وأمراض نفسية خطيرة يعشها القوم، بل شفاهم الله من الأمراض النفسية يتصورون أن من لا يكفر الحاكم الذي يحكم بالقوانين الوضعية ويتبرأ منه فهو كافر مثله حلال الدم والعرض، ولهذا تراهم في صراع دائم بين أنفسهم، وهذه العلة التي لم يقررها في ما أعلم عالم معاصر هي التي تمنع بعض المغرر بهم من النزول من الجبال خشية الكفر.
وأبدأ بعون الله الرحمن في بيان مسألة الحكم بغير ما أنزل الله بإيجاز شديد جدا لأن بسطها له مؤلف خاص بها، مع تنبيه القارئ الكريم إلى أنني قرأت ما كتب رؤوس دعاة الخروج وتكفير الحكام على العموم دون تفصيل في هذا العصر، وما استندوا إليه من كلام بعض أهل العلم، ككلام ابن كثير في البداية والنهاية، وأحمد شاكر، ومحمود شاكر، والشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين الوضعية، وعبد الرزاق عفيفي في فتاواه، وما جاء في كتاب ضوابط التكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن عبد الوهاب وعلماء الدعوة الإصلاحية، تأليف أبي العلا راشد بن أبي العلا الراشد، وما جاء في فتاوى النجدية، وغيرها من المراجع، كما أنني وقفت على العبارات العامة التي التقطوها من أفواه بعض أهل العلم المعاصرين، وتوهموا أنها تخدم منهجهم وتزكيه، وكأنّ العلماء المذكورين لا يعرفون من الإسلام إلا الحاكمية فقط على تعبير القطبيين والله المستعان، أضف إلى ذلك أن العلماء السابقة أسماءهم وغيرهم عاشوا أوضاعا شبيهة بالتي تمر بها الأمة الإسلامية مع ذلك لم نجد لهم فتاوى يحرضون فيها الخلق على الخروج، ويدفعونهم إلى التمرد على حكامهم، وإلى العصيان المدني، ولا أنهم تقدموا صفوف المتمردين وأصدروا الفتاوى من على قمم الجبال!!، فهل خرج ابن كثير وكوّن عصابة ونازع حكام عصره بالسيف؟، وهل خرج أحمد شاكر ومحمود شاكر في مصر، واستوطنا الجبال، وملآ مصرا بالسيارات المفخخة؟.
وهل خرج ابن باز وابن عثيمين، والفوزان، وغيرهم من العلماء؟
أقول كلمة والله المستعان: لو أن الله يخرج ابن كثير وأحمد شاكر ومحمود شاكر ومحمد بن عبد الوهاب، وأبا بطين، وابن سحمان، ومحمد بن إبراهيم من قبورهم، ويريهم الطريقة التي يقاتل بها المغرر بهم حكامهم وأمتهم الضعيفة، لكانوا أول من يرد عليهم، ويحكمون على مشروعهم بالفساد والبطلان، ويتبرؤون من فهمهم السقيم لكلامهم المبثوث في مصنفاتهم، بل ويكونون من المقاتلين لهم مع السلطان الحاكم، ولكن!.
وقرأت كذلك ما كتبه بعض المعاصرين ككتاب "الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه" لصاحبه عبد الرحمن بن صالح المحمود هداه الله، و"الحكم بغير ما أنزل الله" لصاحبه الدكتور خالد العنبري وفقه الله، وغيرها من المراجع التي عالجت هذه المسألة العلمية الهامة والخطيرة بطرق متفاوتة، فبعضها قارب الحق، وبعضها شط وابتعد!، ولم أعرج في هذه العجالة على ذكر تفاصيل المسألة، وتفسيرات أئمة العلم لآية المائدة، والردّ على شبهات الطاعنين في قول عبد الله بن عباس، فكل هذا وغيره يأتي في جزئنا الموعود بإذن الله الودود.
أولا-إنّ من الأمور المتفق عليها بين المسلمين جميعا عالمهم وجاهلهم أن الحكم بشرع الله في الأمور كلها واجب على الفرد والجماعة، وأن سعادة الأمة في القضاء والحكم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى:[إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ] [المائدة 44].
وقال تعالى: [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [المائدة45].
وقال تعالى: [وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ] [المائدة 47].
وقال تعالى: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] [المائدة 50].
وهناك نصوص كثيرة جدا من كتاب ربنا بيّن فيها مولانا الله تعالى أن الحكم له، كقوله جلّ وعلا: [وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ]، وكقوله: [مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ].
وجاء عن أبي هريرة قال: (حد يقام في الأرض خير من مطر أربعين صباحا)، ومثله عن ابن عباس، وجاء الأثر مرفوعا من طرق أخرى ولا أراه يصح كما قال العلامة الدارقطني رحمه الله في العلل (11/212 س:2231)، انظر الصحيحة للعلامة الألباني رحمه الله (برقم231)، وبسط الحديث عن الحديث يأتي بيانه في الجزء المشار إليه آنفا إن شاء الله تعالى.
وعليه فإنني أطالب جميع ولاة أمور المسلمين بالتّحاكم إلى الكتاب العزيز والسنّة الغراء، وإلى بناء القضاء على نصوص الشّريعة السّمحاء، والتخلص من القوانين الوضعية التي تُصادم النّصوص رويدا رويدا، حتى يكتمل صرح الأمة، وتعود لها عظمتها وهيبتها وقداستها كما كانت في العهود القديمة، زمن الخلفاء الراشدين، وبني أمية ومن جاء بعدهم، مصدقا لقوله تعالى: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ما بين أن ترك الحكم بما أنزل الله يوجب الشقاق والفتنة بين أبناء الأمة في مجموع الفتاوى (35/388): (وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه).
وأنا أعلم أن الأمر صعبٌ ومتشابك، وليس من السّهولة بمكان أن يتحقق بقرار أو كلمة، أو في ساعة زمان، وأعلم كذلك أن دول الغرب وأذنابهم الذين يعشون بين أظهرنا إذا أحسّوا بدولة من الدول الإسلامية قررت العودة إلى أحكام الشريعة الغراء في جميع شؤونها، أرغدوا وأزبدوا، وطارت حفائظهم، وأخرجوا ملفات الاقتصاد، وحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، والملفات النووية وغيرها من الوثائق الضاغطة والخانقة، والله المستعان، ولكن أقول لحكام المسلمين هداهم الله: لابد من التحلي بالصّبر، والتوكل على الله، ثم التمهيد للحكم بالشريعة الغراء بالحكمة والعمل المتوازن، ولو أدى العمل إلى سنوات عديدة، وليتحقق الأمر يجب أن تشارك جميع القوى الفاعلة في البلد، بدء من تحسين المنظومة التربوية، وبناء المعاهد الشرعية، وتكثيف مادة القضاء الشرعي في معاهد القضاء، وإنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحسين المستوى المعيشي للفرد والجماعة، والدفع بدفة الاقتصاد نحول الأسلم والآمن، واستغلال وسائل الإعلام في رفع الجهل عن أنباء الوطن، وبناء أفكارهم بناء صحيحا ومتماسكا، وبهذه الأساليب وغيرها ينال أبناء الأمة مرادهم، من غير قلاقل ولا فتن ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
إنّ الحكم بما أنزل الله لا يختص بالقاضي، ولا الأمير، ولا برئيس الدولة، بل هو حكم يعم كل من حكم بين اثنين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (18/170): (وكلّ من حكم بين اثنين فو قاض، سواء كان صاحب حرب، أو متولي ديوان، أو منتصبا للاحتساب بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإنّ الصحابة كانوا يعدونه من الحكام).
ثانيا- لقد سلكت وسطية أئمة الإسلام إن شاء الله في بيان حُكْم مَن لا يحكم بما أنزل الله على التفصيل الذي عليه العلماء، فلم أنهج بمحمد الله المنان طريق أهل الشتمّ والطعن في حُكّام المسلمين على العموم، والتشهير بعيوبهم، وإيغال صدور النّاس عليهم كما هو شأن الخوارج وأشياعهم من الثوار وبعض الكُتَّاب من القعدية الذين خبّطوا العقول بكلامهم المجمل والعام، وكذلك بفضل الله لست من الذين يصوّبون كل ما يصدر من الحُكّام، ويسبلون على بعض أقوالهم وأفعالهم الخاطئة والمخالفة لشرع الله كساء الصواب، كما هو ديدن أهل النفاق والتملق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض (7/291): (…وكما أصاب كثيرًا من الناس مع الولاة الذين أحدثوا الظلم، فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم، فيعاونونهم على الإثم والعدوان، وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر، فيخرجون عليهم، ويقاتلونهم بالسيف، وهو قتال الفتنة، فمن الناس من يوافق على الظلم، ولا يُقابل الظلم، مثل ما كان من أهل الشام ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان، ولا يوافق على حق ولا على باطل، كالخوارج، ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم، وتارة يدفع الظلم بالظلم، مثل حال كثير من أهل العراق).
ثالثا-: قد فصّل العلماء في الحاكم الذي لم يحكم بما أنزل الله، ولم يحكموا عليه بالكفر مطلقا دون تفصيل، واخترت أن أنقل كلام العلاّمة مفتي المملكة العربية السعودية محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (م1389) من جزئه تحكيم القوانين (4-8) باختصار وشيء من التصرف لا يخل بالمعنى، لأن القوم يدندنون حوله كثيرا فقال رحمه الله: (إن الآية الكريمة -آية المائدة- تتناول الكفرين؛ كفر الاعتقاد، وكفر العمل –أي الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الملّة:
فأما الأول وهو كفر الاعتقاد، هو أنواع:
النوع الأول: أن يجحد الحا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ